الجواد الكاظمي

44

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ويُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ] ( 1 ) . « إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ » أي تعطوها مستحقّها جهارا وإعلانا « فَنِعِمَّا هِيَ » فنعم شيئا إبداؤها ، فما نكرة موضعها النصب على التمييز للفاعل المضمر قبل الذكر ، أي نعم الشيء شيئا إبداء الصدقات ، وهو المخصوص بالمدح ، لكنّه حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، والمراد أنّ دفع الصّدقة جهارا إلى مستحقّها فيه ثواب للدّافع لأنّ أصل التصدّق حسن ، وهذا فرد منه . « وإِنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ » أي تجمعوا بين الأمرين فتعطونها خفية وسرّا فيما بينكم وبين الفقير بحيث لا يطَّلع على ذلك إلَّا اللَّه « فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » أبلغ في الثواب من الابداء . وإن كان فيه ثواب أيضا « ويُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ » بعضها ، واختلف فيه فقيل هي الذّنوب الصغائر ، والَّذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الساقط أعمّ من ذلك ، والوجه فيه أنّ إسقاط العقاب تفضّل من اللَّه تعالى عندنا فله أن يتفضّل بإسقاط بعضه دون بعض حتّى أنّه لو لم يدخل « من » في الكلام لاقتضى الكلام وعده بسقوط جميع العقاب مع فعل الطاعة . وبالجملة إسقاط العقاب بفعل الطاعات تفضّل منه تعالى ، والحكم منّا بوجوب ذلك عليه نظرا إلى وعده ، وحيث إنّه هنا وعد بإسقاط بعض العقاب مع الإنفاق المذكور قلنا يجب ذلك الاسقاط بمقتضى وعده . فلا يرد أنّ الإحباط والتكفير باطلان عند أصحابنا ، فلا يوافق قولهم ظاهر الآية لأنّ الحكم بالإسقاط هنا ليس للطاعة فقط ، كما هو قول من قال بالتكفير ، بل تفضّل منه تعالى ، وعلى هذا تحمل الآيات المشتملة على الإحباط والتكفير ، وهذه جملة نافعة . « واللهُ بِما تَعْمَلُونَ » من الإنفاق سرّا أو جهرا بل مطلق العمل حسنا أو قبيحا « خَبِيرٌ » فيجازيكم عليه بقدر الاستحقاق ، ويتفضّل على قدر ما يريد .

--> ( 1 ) البقرة 271 .